حميد بن أحمد المحلي
141
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
لا ينجو هاربه ، فأكثر ذكر الموت ، وما تهجم عليه ، وتفضي بعد الموت إليه ، واجعله أمامك حيث تراه ، فيأتيك وقد أخذت حذرك ، واذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ، ويصغرها عندك ، مع أن الدنيا قد نعت إليك نفسها ، وتكشّفت لك عن مساوئها ، وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها ، وتكالبهم عليها ، فإنما هم كلاب عادية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها على بعض ، يأكل عزيزها ذليلها ، وكثيرها قليلها . واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر ، وأن الله قد أذن بخراب الدنيا وعمارة الآخرة ، فإن تزهد فيما زهدتك فيه منها ورغبت عما رغبت عنها فأنت أهل لذلك ، وإن كنت غير قابل نصيحتي فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدوا أجلك ، وإنك في سبيل من كان قبلك ، فاخفض في الطلب ، وأجمل في المكتسب ، فرب طلب جرّ إلى حرب . وانظر إلى إخوانك الذين كانوا لك في الدنيا مواسين ، ومعك لله ذاكرين متكاتفين ، قد خلوا عن الدور ، وأقاموا في القبور إلى يوم النشور ، وكأن قد سلكت مسلكهم ، ووردت منهلهم ، وفارقت الأحبة ، ونزلت دار الغربة ، ومحل الوحشة ، وجاورت جيرانا افترقوا في التجاور ، واشتغلوا عن التزاور ، فاعمل لذلك المصرع ، وهول المطلع ، فيوشك أن تفارق الدنيا ، وتنزل بك العظمى ، وتصير القبور لك مثوى ، واعمل ليوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين ، ويجيء فيه بصفوف الملائكة المقربين ، حول العرش يجمعون على إنجاز موعود الآخرة ، وزوال الدنيا الفانية ، وتغير الأحوال ، وتبدل الآمال من عدل القضاء ، وفصل الجزاء في جميع الأشياء ، فكم يومئذ من عين باكية ، وعورة بادية ، تجر إلى العذاب الأليم ، وتسقى ماء الحميم ، في مساكن الجحيم ، إن صرخ لم يرحم ، وإن صبر لم يؤجر ، فاعمل لتلك الأخطار تتخلص من النار ، وتكون مع الصالحين الأبرار . . . يا بني : كن في الرخاء شكورا ، وعند البلاء صبورا ، ولربك ذكورا ،